نظر طلب لجوء سيد الفلك

تخلى نوح عن فرصة الاستقرار للأبد فوق أرض صلبة والحياة المستقرة في بيت وربما الزواج من طباخة نمساوية تسمى ميكائيلا..مقابل أن يستمر إلى ما لانهاية في عمله..مهربا لراغبي الهجرة عبر البحر..لم يكن سهلا عليه أن يهجر السفينة..رغم كونه شخصا عاديا..وليس نبيا للطوفان.
في داخله طلسمُ لا يمكن فكه، ويبدو من الخارج هادئا، ومع ذلك رأيناه شرسا في أوقات عديدة، قد تعشق السمر معه إذا صادفته على مقهى من مقاهي ميناء من مواني البحر المتوسط، حيث يمارس نشاطه سواء في الإسكندرية، أو في منطقة باب الزيتون في طبرق، أو بنغازي، بعد ذلك وحينما حُوصر في معسكر اللاجئين، ادعى النبوة، زعم أنه النبي نوح، على الرغم من أن أحدا لم يسجل مثلا ظهوره في ميناءين في نفس الوقت، نبوته الوحيدة في نجاحه دائما أن يعبر „المتوسط“ بسبعة آلاف، أو عشرة آلاف مهاجر يصموهم ويصمونا بأننا غير شرعيين.
أسطورته كأشهر وأنجح مراوغ لخفر السواحل الأوروبي تحطمت أخيرا، حينما سقطت سفينته فجأة في قبضة خفر السواحل الأوروبي، وهنا صار عليه أن يصيغ أسطورة جديدة. أن يصبح نبيا، كي لا يدخل السجن بتهمة تهريب البشر.
في السطور التالية أحكي بالتفصيل سيرة „نوح“.. سيد الفُلك. كما أعتدنا أن نناديه، وكما أحب أن نلقبه.
بعد قضائه ثلاثة أسابيع في مركز طالبي اللجوء، مثَلُ نوح أخيرا أمام محققي أولى جلسات الاستماع التي تعقد لطالبي اللجوء بإدارة الهجرة في مدينة التشتيتين بكانتون سان جالن، لم يكن مقبوضا عليه، بل عُومل بكل رقة واحترام منذ دخل مركز طالبي اللجوء، أما حين دعوه ليدلي بقصته في جلسة استماع، فظن أنه ذاهب إلى محاكمة، وجهّز قصة.. كما ينبغي على كل طالب لجوء.. فكل منا يجب أن يدلي بقصته لينجو ويظفر بقبول طلب اللجوء، إلا نوح..بدا أنه يدلي بقصة ما ليُرفض طلبه ويُطرد من الجنة السويسرية.
بمجرد دخوله إلى الحجرة التي ستشهد جلسة الاستماع، استقبلته ثلاث سيدات، محققة ذهبية الشعر، بيضاء الملامح، في ثلاثينييات عمرها، متوسطة الطول ومع ذلك بدت قصيرة إليه بينما تصافحه وهي تعرفه بنفسها. ومترجمة، تتحدث عدة لغات، الفارسية، والعربية، والكردية والآرامية المحكيتين. وسكرتيرة لم تلفظ بكلمة، وهي تفحصه بنظرات فضولية، ولم تستطع أن تحول عينيها عن جدائل شعره المغزولة في ضفائر كثيفة وثقيلة.
كان أول سؤال طرحته عليه المحققة اسمه وسنه، وإن كان له أقارب يعيشون في سويسرا، وبعدما جربت المترجمة ترجمة السؤال باللغة العربية والفارسية، والكردية، والآرامية، لم يستجب ولم يفلت لسانه أية كلمة، بل ظل يحملق في محدثته عبر الحاجز البلاستيكي بنظرات تخلو من معنى أو خوف، كأنه يحلم، فسألت المحققة زميلتها المترجمة إن كان يفهم أو إن كان به صمم، فأشارت المترجمة إلى أذنه وأطبقت أصابعها مُشكلة فم طائر وحركتهم حركتين ففتحتهما وأغلقتهما وهي تعني إن كان يستطيع الاستماع للكلمات أم أن بأذنه عطب، فأجاب الرجل بعد لحظات صمت اعتملت في قلبه مشاعر كثيرة، وتغلب فيها على ما كان يشوش أفكاره، وحسم أمره:
„اسمي نوح..وعمري..يربو على التسعمائة..“.
كانت هذه أول طلقة أطلقها على نفسه بإرادته محاولا إثارة غبار الشكوك حوله، وبالفعل.. تنهدت المترجمة تنهيدة ارتياح، وترجمت ما قاله الرجل بالكردية للمحققة، وهي تخفي ارتباكها من قوله، فاستمعت المحققة إلى ما قالته المترجمة، وقالت بعد هنيهة تدبر:
„ولكن يا سيد نوح.. يمكنك أن تتسمى كما شئت بأي اسم، لكن لا يمكن أن يكون عمرك تسعمائة عام.. لم يعد أحد يعيش هذه الفترات الطويلة، والأفضل بدلا من أن تبدأ هذا التحقيق بادعاءات قد توصمك بالكذب، أن تفيدنا بعمرك، وتزودنا بأية أوراق تثبت سنك، وموطنك، ومحل ميلادك“.
- ماذا تريدون أن أقول.. أنا نوح.. وفعلت ما فعلت بإراداتي، لم يأمرني بشر بفعله.
وكان يبدو ضجرا منهم..ويريد إنهاء الأمر بسرعة.
خيم على الحجرة صمت ثقيل، كعتمة ليل. تشكلت في أجزائه حيرة، ثم سألته المحققة :
- منذ متى وأنت تعمل في تهريب الناس من بلدانهم إلى أوروبا..؟
فأعادت المترجمة صياغة السؤال بالكردية التي يفهمها، فأجاب بشكل أكثر ضبابية والتباسا:
- أنا لست مهربا للبشر..ولم أكن أبدا، أيوصف النبي بمهرب البشر إذا كانت مهمته أن يشق لهم طريقا للهرب من البطش وينجو بهم..كل الأنبياء الذين جاءوا بعدي تلقوا أمرا كأمري..أن يهربوا بأقوامهم من البطش والطغيان..موسى..عيسى..محمد..أنا أول الأنبياء..أنا نوح.. انتظرت ستمائة عام، حتى يكف الطغاة عن طغيانهم، ويعود السلام إلى الأرض، للمدن، للقرى، ويهجرها الباغون، لكن هذا لم يتحقق، وطال الانتظار، طورد الأبرياء بالتهم الملفقة، استعمر البغي في البلاد، ولم يصل إلى مقعد الحكم سوى طاغ، أو مستبد، أو زعيم عصبة من النهابين، كان لا بد من حل، شيدت سفينة، حينما أتاني صوت يأمرني بتشييدها.
فسألته المحققة سؤالا ساخرا لم يجبه، قالت:
أين كنت إذن يا سيد نوح طوال هذه السنوات..؟ بينما البشرية تخطو وتتقدم وتبني نفسها بعد قصة طوفانك ..؟ أتريد أن تقول لي أنك معجزة خالدة !!!!
بعد انتهاء جلسة الاستماع الأولى عاد السيد نوح إلى مركز اللجوء في مدينة التشتيتن على الحدود مع النمسا، هكذا قُيد في دفتر التحركات بالمركز، „عاد في الخامسة مساء يوم الجمعة الثاني والعشرين من ديسمبر من العام ٢٠٢١“.
حراس المكان تأملوا شعره الغزير وجلبابه، وأشفقوا على نفسهم من مهمة تفتيشه التي صارت عبئا ثقيلا عليهم منذ وصل „نوح“ إليهم منذ أسابيع، قبل جلسة الاستماع الأولى تلك، إذ وصل إليهم بعد رحلة مشي طويلة منذ رسو سفينته على ساحل كريت، ومنها حيث نُقل إلى اليونان.
الكل وصمه بالاحتيال طبعا، فالفكرة طائشة، وإدعاء أنه نوح نفسه، كان أقرب للسخرية، منه لمحاولة النجاة من اتهامات جادة وخطيرة، سأحكي شخصيا عن المواقف التي جمعتنا، لكنني لا يمكنني أن أقول إن كان حقا معجزة منذ زمن الطوفان.
حسنا..كنت وغيري ممن ركبوا السفينة معه بعدما رشحه لنا من سبقونا ممن اجتازوا البحر معه من قبل بنجاح..كانت أولى شروطه قبل أن نركب معه السفينة..ألا نحاول أن نصادقه أو نقترب منه أكثر مما ينبغي..وهكذا بعدما دفعنا له المعلوم، خمسة آلاف دولار لكل شخص..آسف..لم ندفع له مباشرة..فالإتفاق الذي أبرمناه في الإسكندرية، كان مع أحد مساعديه، وقتها قال لنا رجل نوح:
- عليكم أن تصلوا بأنفسكم إلى طبرق..هذا أمر ليس سهلا..ولسنا مسئولين عنه..
منذ أن ركبت القارب مع نوح، ظننت أننا سنتمكن هذه المرة من عبور البحر، بدا خبيرا بالملاحة فيه، „يملأ هدومه“ كما نقول في مصر..لا يخشى مناورة خفر السواحل الإيطالي واليوناني، ملامحه أقرب لقرصان، منه لمهرب بشر، آخ..تذكرت..رجاء حذف هذا الوصف..لم يكن مهربا للبشر..بل معاونا لنا لننجو، كان نبيا..مبعوثا إلهيا ليحملنا إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط. للأسف حظنا كان أسوأ من حظ قوم نوح الحقيقيين..فلم يكن الدولار أو اليورو ظهر على أيامهم، ولم يضطروا أبدا لدفع هذه المبالغ الباهظة ليحملهم نوح على سفينته، نوح الحقيقي الذي أنجاه ربه بالسفينة، أما نحن، فسقطت سفينتنا في قبضة خفر السواحل الأوروبي، بالتأكيد خفر السواحل الأوروبي خطر على نبي الله نوح الأصلي..لهذا لم يُوجد وقتها قط، أجبرنا على أن نقفز في البحر بالقرب من ساحل كريت كما هدّد، لكنه قُبض عليه، اقتادوه وسفينته إلى الشاطيء، ثم كادوا يتهموه بتهريب البشر، لكنه تخلص من الأموال، ومن أي شيء يشير إلى هويته، هذا لم يكن كافيا، ظلت الشكوك تحوم حوله، وتدريجيا بدأت تتشكل خطته، وظهر لتطابق اسمه مع اسم نبي الطوفان فائدة.
——–
اقتادونا إلى معسكر لجوء في اليونان، خيام لا دفء فيها ولا ملاذ من المطر، هربنا، كل فريق حاول التوغل أكثر في قلب أوروبا ليصل إلى بلد نقدم فيه لجوءً ونغلق ورائنا صفحة السفينة، وصلنا أولا أنا ورفاقي إلى الحدود السويسرية، حيث سلمنا أنفسنا لدورية حرس حدود، وهؤلاء اقتادونا إلى المعسكر لنقدم الطلبات، ونملأ الاستمارات، ويلتقطون لنا الصور الداكنة، التي تظهر فيها ملامحنا كابية، وبدأت أرتاح من عناء الطريق، وعرفت أقدامي لأول مرة منذ شهور كريمات علاج التقشف والتقيح، وعندما أسكنونا في المعسكر نمت يومين متتاليين، وقتها قلت لنفسي: ولت للأبد أيام عبور البحر وها أنا في أوروبا. لن أرى نوحا وعصابته.
بالطبع كانت له حاشية، وعصبة، مجموعة من الرجال الذين يشدون حبال السفينة، أو يحرسونها ليلا خلال الإبحار، أو يطهون لنا ذلك السائل الأصفر المر الذي اكتشفنا في نهاية الرحلة أنه كان عدسا مخلوطا بعلف حيوانات.
بعد بضعة أسابيع لحق بنا نوح وعصبته، وفوجئت به متجهما، تعيسا، كان غارقا في صدمته الناتجة عن فقدانه لسفينته، ما عرفته من أقرب مساعديه، أنه كلما حاول أن يرتد إلى البحر، تغول في الغابات، بسبب تطويق شرطة الحدود لكل المسالك عبر الغابات، هناك دائما دورية مارة، وهكذا بدلا من أن يرتد إلى الجنوب، وجد نفسه على غير رغبته يلحق بنا في سويسرا.
حاولت في البداية أن أبتعد عنه، كنت أخشاه، خاصة بعدما كساه حزنه على سفينته سمتا عجيبا، كربه جعله للنساك أقرب، بدأت أشعر بفضولي تجاهه يلقيني ويجرفني نحوه، كان يبدو شخصية أخرى غير تلك التي ألفناها على السفينة، استسلم للحراس وهم يفتشونه، كأنه لا يعرف ماذا سيفعلون به في هذا المكان، وظننت أنه سيستسلم لمصيره، بينما هو يبطن النية لتحول كبير، كنت أحمقا في ظني بالطبع.
بينما الحراس يفتشون شعره الغزير، كان يتجاهل الرد على استفساراتهم إن كان يخبيء ممنوعات في رأسه، إن أكبر الممنوعات في رأسه لم تكن في شعره، بل في عقله، ما يدبره من خطط كي يفلت من هذا السجن الذي وجد نفسه فيه.
فحصتني طبيبة من أطباء المركز، وفحصته، ولمّا لم يرد على استفساراتها، أرسلت تستدعيني للتفاهم معه، فخشيت من المهمة وأشفقت منها، وطلبت منها ألا تكلفني بالحوار معه، كنت أتحدث إنجليزية بسيطة، تعلمتها في مدرسة قريتي، وإذا به فجأة يقول لي هامسا: بل اخبرها أنك ستقبل أن تترجم لي..
فجأة صرت مقربا منه، عضوا بعصابته، عضوا وحيدا لأنه نبذ عصابته القديمة التي جاءت معه، كما لو كان قد قرر أن ينفض يديه من تاريخه كله، هكذا وجدت نفسي فجأة صرت مترجما له، ولا أعرف لماذا اختارني، وفضلني عن رفاقه ومساعديه، آه..هل تظن ذلك..؟ ربما أراد أن يبرئ نفسه من عصبته..وأن ينتشل نفسه من وسطهم كما ينشتل أحدهم الشعرة من العجين.. المهم أن الطبيبة سألته عن عمره، فوجدته يقول لي: أخبرها أن عمري تسعمائة سنة..فبهت..ورمقته بريبة، لكنني خشيت أن أبدّل قوله، وأنا أعرف أنه يجيد الإنجليزية..فأجبت الطبيبة: تسعمائة..فرمقته بريبة وشك..وتظاهرات أنها لم تسمع ومنحتني زجاجتي شامبو وقالت لي: اطلب منه أن يستحم جيدا ويدعك شعره بهذا الشامبو.. أكثر من مرة خلال اليوم.
لم يعبأ نوح بطلبها، لكنه حمل مع ذلك زجاجات الشامبو مع ذلك وغادر مكتبها ، التفت إليّ حينما صرنا وحيدين قائلا:
- اسمع..أعرف أنك كنت معي في السفينة..سأقربك مني..بشرط..أن تتعهد لي بأن تصون سري..وألا تغدر بي..أي محاولة لفضحي..اعلم أنني لن أتسامح معها..
فقلت مأخوذا مترددا: لماذا …؟ لماذا أنا..؟
ابتسم بسمة تحمل كل دهاء هذا العالم..قال بعد برهة:
ستفهم بعد أيام..أو بعد شهور
لكنني فوجئت برغبته أن يسبغ على نفسه سمعة مريبة، بدا يتظاهر بالمشي ليلا، ويهبط إلى الطابق السفلي حيث صالة الطعام، وينام، فيعيده حراس المعسكر إلى عنبر النوم، ثم بدأ يجلس بالساعات وحيدا في حديقة المعسكر مرسلا نظراته إلى الأفق، ويمتنع عن الطعام بالأيام، متظاهرا بالصوم، حقا لم أراه يأكل أبدا خلال هذه الأيام، كان يختفي ساعات طويلة، يغادر فيها المعسكر، غالبا ليأكل، أو ليتسكع في المدينة، ثم يعود.
كل هذا فسرته بحزنه المريع على سفينته، قلت لنفسي: فقدانه السفينة أصابه بلوثة..
لم يعترض على أية مهمة موكلة له، وهو ما بدد حوله الشكوك والخوف من أن يكون نبيا حقا، كيف لنبي ألا يثور وألا يحتج على الوظائف المهينة الموكلة إلى كل طالب لجوء!!
ولكن أليس الاستسلام والصبر هو من سمت الأنبياء أيضا..؟
ـــــــــ
إلى أن حدث شيء ما جعل نوح يوجه بوصلة أفكاره اتجاها آخر..على الأرجح وقتها نبتت في رأسه خطة الخلاص..
قبل جلسة الاستماع الأولى تلك، تحدث شخصُ ما من حراس المركز – مفشيا سرا من أسرار عمله- عن وجود طالب لجوء يتظاهر بأنه النبي نوح وهكذا فجأة انهالت على منطقتنا حيث يوجد المعسكر مجموعة من الفضوليين، أخذوا في التوافد، والوقوف متلصصين أمام أبواب المعسكر آملا في رؤية هذا „النوح“ عن قرب، وقتها اقترب مني، وقال لي:
- أحد رفاقي حدثني بأن „السويسران“-يقصد السويسريين- يظنونني نبيا..أهذا صحيح..؟
فقلت وأنا أخشى إغضابه:
-ليس لدي أدنى فكرة..ربما..
فوجدت عيناه تبرقان، وقال لي فجأة:
-صورني بهاتفك..ثم اذهب بالصورة لأحد هؤلاء المتطفلين خارج المعسكر..وامنحه الصورة..وادبج القصة..قل لهم أنني فعلا نبي..وأنني شيدت السفينة لأنقل المساكين الهاربين من الطغاة والمستبدين..هل يمكنك أن تفعل ذلك..؟ من أجلي..ومن أجلك..؟
شعرت بالحيرة، لم أفهم كيف سيكون ما أفعله له من خدمات، من أجلي أيضا؟ استرجعت تهديده، فأومأت صاغرا، وبالفعل صورته بكاميرا هاتفي، ثم استأذنت في الخروج، وذهبت إلى أحد الواقفين، وسألته محاولا حبك القصة، بينما صوتي يرتجف:
- أجئت حقا من أجل نوح..؟
ظهر على الرجل علامات الدهشة، والترقب، وهتف بكلمة سويسرية لرفيقته، وكانت تحمل كاميرا، ويبدو عليها أنها صحفية، فأتت منتبهة، فأبرزت لهما تليفوني، وفتحت لهما صورة نوح، قائلا:
- هذا هو من جئتما من أجله..النبي نوح..نفسه.
ولم أزد..لو كنت أزدت لقلت لهما: وستكونان أحمقين إذا صدقتما ما قلته.
حصلت الفتاة على الصورة من هاتفي، وسألتني:
- كيف هو..؟ هل يصدق أحدُ ادعائه..؟ هل يتهمونه بتهريب البشر أم ينظرون طلب لجوئه ..؟ هل يصدقون حقا أنه نبي..؟ وأنت..هل تصدقه..؟ هل يفعل أشياء غريبة..كأن يظهر في مكانين في نفس الوقت مثلا؟
انهمرت أسئلتها عليّ كالمطر، ولكنها لم تكن آخر من تطرح الأسئلة، ثمة جوالين زاروا المعسكر، وكان بأيديهم كتبا دينية، سألوا عليه بالأسم، ولكن حراس المعسكر رفضوا إدخالهم لنا، واستدعونا عند مكتب الأمن،بالطبع استدعوني معه كي أترجم، وبعد تعارف قصير، تبين أنهم رجلان من القرية، لكنهم يريدون أن يحدثونه عن المسيحية، وعن الإيمان بالكاثوليكية، ورمقوه بتمعن، ثم سأله واحدُ منهم: أتعرف السيد المسيح..؟ أتدرك قدر الآلام التي تحملها من أجل البشرية..؟ هل ترى تلك الحلوى..؟ وأخرجوا قطعة حلوى من حقيبتهم، على شكل حرف اللام في اللغة العربية، كانت حلوى بيضاء، مخططة باللون الأحمر، أبدى نوح عدم اكتراث بما يقولونه، لكنهم عندما أخرجوا الحلوى، قال لهم فجأة: هذه هي دماء جسد المسيح..
يا إلهي..من أين جلب هذه العبارة..بهت الرجلان، وجُمدا فجأة، ثم تقدم منه أحدهما، وعانقه، وقال الآخر مبتهجا فرحا: يا نوح…سندعم قضيتك..وسنحارب من أجلك..انشر دعوتنا وسط رفاقك وزملائك..وقل لهم أنهم ينبغوا أن يختاروا المسيح..لأن المسيح اختارهم، يقول بولس الرسول في رسالته إلى „تيموثاوس“ :“ لَكِنَّنِي لِهَذَا رُحِمْتُ: لِيُظْهِرَ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ فِيَّ أَنَا أَوَّلًا كُلَّ أَنَاةٍ، مِثَالًا لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لِلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ“.
وبعد أيام ظهر أمام المعسكر فريق من الأشخاص، لم يهتفوا بأي شيء، أو يتجمعوا، وإنما كانوا يوزعون كتيبات صغيرة عليها رمز الصليب، ولم نفهم بالضبط لماذا يوزعونها، لكن هذه الكتيبات وصلت إلى المعسكر، وبدأنا نتلقاها من بعض المشرفين الذين قالوا لنا: لسنا مسئولين عن هذه الكتيبات، لكن في الخارج أصدقائكم المبشرين قالوا أنهم تعرفوا على نوح، ويرغبون أن يمنحوه وزملائه نسخا من العهد المقدس..أو الإنجيل.
ــــــــــــــــ
مع المبشرين، ظهرت مجموعات من الشباب تمارس أنشطة سياسية، يرفعون بيارق مكتوب عليها: Kommunistische Jugend وبدا عليهم هم أيضا اهتمامهم بنوح وقصته، لم يعبأ حراس المعسكر بالتجمعات خارجه، لأن مهمتهم ليست التصدي لها، بل تأمين „الكامب“ ونزلاءه، بينما جاءت قوات الشرطة المحلية بقرية التشتيتن واهتمت بتأمين المعسكر.
بدا على نوح العبوس، وصمت أغلب اليوم ووجهه يراقب عبر النافذة الحشود خارج المعسكر، وبعد العشاء قال لي فجأة:
- أتريدني أن أدخل الجنة البيضاء وأهجر البحر..أن أعيش في بلد محبوس في وسط العالم، لا شباك له على بحر..ووقتما يريدون يطلبون مني أن أكنس الشوارع أو ألعق الصحون بلساني كي أكسب عيشي..ورزقي..؟؟هذا هو حلمكم..أن تفوتوا لهذه الجنة وتصبحون خدما عند من منحوكم اللجوء..لا شكرا يا عمي.
كانت أعداد المتظاهرين من شباب “ Kommunistische Jugend تتزايد وهم يحملون لافتات مكتوب عليها بالألمانية: „Frei Noah lassen.. Gib uns NOAH“.
أما هو ..نوح..فبدأ يضرب كفا بكف، وهو يهتف: ليتهم يسمعون هذا النداء ويطلقوني..وأعدهم ألا أعمل هنا في البحر المتوسط..سأنقل عملي وحالي إلى بحر آخر.
في الأثناء أرفق اسمه في مهام أخرى داخل المعسكر، انتقل للعمل في المطبخ، مطبخ المركز بأكمله، حيث يُطهى الطعام للجميع، موظفين وطُلاب لجوء، وهناك كانت تعمل ميكائيلا، طباخة نمساوية ممشوقة الجسد، ويساعدها طباخان آخران، ربما رآها حلوة وكتلة من اللحم كافية لتوريطه في فضيحة جنسية، تنفي عنه صفة النبوة تلك التي لصقت به رغما عنه، ربما تكون هذه هي الأفكار التي راودته، بينما يغسل الصحون، ويغرف لزملائه من طلاب اللجوء طعاما في صحونهم، خلال هذا الأسبوع كانت الطباخة النمساوية ميكائيلا ترمق تفانيه في العمل بإعجاب، رأيتها بنفسي تبتسم له أكثر من مرة، ورأيتها مرة أخرى تداعب نوح وتتحسس ذراعه الممشوق، قالت له بالألمانية التي فهمتها ولم يفهمها هو:
– ما كل هذا الشعر الذي يغطيك..؟ أنني افتقد هذا الملمس في الرجال..
ثم وضعت أصابع كفه على ساعدها المشعر بزغب أصفر خفيف قائلة:
- إنني لا امتلك ربع ما تمتلك من هذه الغابة..
حينما ترجمت له قولها، صارحني ليلتها بشعوره بنشوة بالغة أن المرأة تراوده عن نفسه، لكنه ظل محتفظا معها بنظرة عين خالية من أي دعوة، أو رفض، بل شعرت الطباخة أنه لا يعبيء بها، ثم أخبرني بشيء شديد الغرابة لا يمكن أن يكون من صنع خياله: المرأة حاصرته مرة في المخزن، واقتربت منه ببدنها، ودفعته بصدرها كما لو كانت تختبر ثبات أعصابه، وهي تمازحه، فلم تند عنه سوى بسمة، لكنه في تلك الليلة قال لي وهو يعض شفتيه، وعيناه تبرقان من الشهوة:
-كدت أعتصر ثدييها لولا أن خشيت أن تتهمني المرأة باغتصابها.
فسألته:
- وماذا ستفعل إن كررت تحرشها بك..؟ فلمعت عيناه في ظلمة العنبر، ولم يجب.
ذلك اليوم وصل للمطبخ عربة الموردين الضخمة، ذهبا ثلاثة لاجئون بينهما „نوح“ لتفريغ العربة ونقل الطلبية إلى مخزن المعسكر، وهناك كانت تنتظرهما ميكائيلا لترص الأشياء، أو ترشدهما لكيفية رص المعلبات والصفائح بطريقة صحيحة لا تكدس البضاعة ولا تُصعب طرق الوصول إليها، وبعدما فرغوا عزمت أمرها، وصرفت زميليه بجرأة بالغة واستبقته، كان يجول في رأسها أن بوسعها أن تحاصره، وتجعله يحقق لها حلما كامنا في عقلها، حلم أن تقضي منه وطرا، ثم يمضي كلاهما في طريقه، لا مسئولية عليها تجاهه، ولا يعود له الحق في أن يطالبها بتكرار ما فعلاه، توجهت نحو الباب، وأغلقته عليهما، هنا أدرك هو أيضا أن فرصته حانت، وهم بها، وهمت به، واجهته وهي تتحسس جسده غير مصدقة، كانت غير واثقة من خطوتها هذه، لكن من يعلم، هي لم تفعل ذلك من قبل، ربما لن يعلم أي أحد، هي الأقوى في هذه العلاقة ..القصيرة ..هي أقوى من „نوح“ على الرغم من ادعاءه النبوة..هل يمكن لنبي أن يظهر الآن..هنا في سويسرا..؟ دارت في ذهنها هذه الأسئلة، بينما تعانقه، فسألته بالألمانية:
- لقد حلمت أنني أخبرك أشياءًَ لا تعرفها عن نفسك..حلمت أنني أمنحك ملاذا..معبرا للنفاذ إلى أوروبا.
لكنه انحنى وقبل شفتيها بسرعة وقد لطشته الشهوة، فخلعت طربوش الطباخين، الذي كان يحجم شعرها، فانسالت على صدره وكتفيها سلاسله الذهبية، وتراجعت منتزعة شفتيها من شفتيه، وقد وضعت قبضته على صدرها:
- انظر كيف ينبض قلبي بقوة لك..
لم يفهمها أيضا، هي تقول كلمات بلغة تمنحها إحساس الانتصار، والقوة، وهو يتفاعل مع جسدها فقط كحيوان أعمى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
تلقى نوحا خطابا من وزارة الهجرة يخطرونه برفض لجوءه.
لكن نوحا لم يبك أو يغضب، كان الخطاب يعلمه بمعلومتين، أولها إسقاط الاتهامات ضده، وثانيها مطالبته بمغادرة البلاد.
لكن من غضب كان المعتصمون، سواء الشباب من دعاة فتح الحدود أو مجموعة Kommunistische Jugend والمتدينين المبشرين، أما ميكائيلا..فلم تبال، لكن قلبها انقبض، كما لو كانت تود أن تكرر التجربة.
في الخارج تعالت صيحات المتظاهرين النشطاء، ورفعوا لافتات جديدة كتبوا عليها:
نوح يبقى.. نوح يبقى..
كنت أرقب ما يحدث، وأنا أتأمل ردود أفعاله الجامدة، وأتصور أنني في حياتي لم أر من هو مثله قادرُ على مواجهة الرياح والأعاصير والموج العالي، وكذلك نفس النوائب حينما يُصاب بها الإنسان على البر، كنت قد تسلمت قرارا إيجابيا بقبول لجوئي، فذهبت إلى نوح في ركن العنبر، وأنا أشعر بالامتنان له، عانقته، وشكرته على أنه نقلني بسلام على سفينته إلى أوروبا، فربت على كتفي، ثم جلس على فراشه، وعلى وجهه ابتسامة راضية، سألته وقد عجزت عن مقاومة فضولي:
- ألا تشعر بالتعاسة..؟
فضحك، حينما صكت سمعه كلمة التعاسة، وقال بعد هنيهة:
- تعاسة..؟ أية تعاسة..؟ سأعود إلى البحر..إلى عملي..سأبني سفينة، وسأكون نبيا من جديد حتى لو لم يصدقني أحد..كل الأنبياء كُذبوا على أية حال..وسأجلب المزيد من المهاجرين إلى هنا..نصيحتي لك: لا تدعهم يجبرونك على غسل الصحون أو كنس الشوارع..ولا تجعلهم يغيرون دينك مقابل قطعة حلوى..ولا تسمح لامرأة تفوقك قدرا أن تستغلك كي تحقق حلما.
